سفينة التحدي ..
الليل الواهن والقهوة الباردة والسيجارة التي خلفتها تشتعل في منفضة الذكرى ، ودخان داكن يتسلل عبر مرايا الروح، كي يجهض حلم خروجي من بوتقتي ...
وقلمي الذي يبحث في دهاليز الذاكرة المرتجفة عن حرف يمكن أن يتشكل مرثية نزف فوق ضمير الورق الغافي... وأنا أتكوم في مقعد صمتي، تحملني شرفة غيم تسكن ذاكرة الشارع حين يعانق قمر الأمس رجفة فنجاني ، حين أمد أصابع كفي إليه كي أرتشف الحزن، وأفتح باب مخيلتي لعبور بقايا أحلامي المجهضة، لتمر بخفة سهو بين أصابع قلمي كي تتموج مثل نسيم بليلة قيظ ثم تبدد.. أتأمل كل سطور الورقة الممدودة على طاولتي كجثة هامدة غاب عنها النبض وصارت كتلة ثلج...
لم تتعانق نظراتي إلا مع كلمة واحدة تتصدر وجه الصفحة " أنا".. آخ ما أقسى تلك الكلمة !.... وما أقسى ما تبعثه في أعماقي من وجع وتوتر...أتساءل لماذا كتبت هذه الكلمة الآن، وأنا أتحاشى طوال العمر أن تلقاني أو ألقاها.. فأنا لا أعرف إيقاع الحرف الأول حين يضم الحرف الثاني ، والحرف الثاني حين يعانق الحرف الثالث.. نون الحزن وألف اليأس الممدود ليحجب عن عيني حدود الرؤية ... فأنا وتر مقطوع من عود مل العزف عليه واغتال الصوت المدفون بطياته كل معاني التكوين ... آه لو أعرف كيف أنا؟؟ ولماذا أنا؟ ومن أنا؟... فأنا علمت الدمع جنون الرقص الدائم فوق حدود الفوضى كي يجتاز حدود الصمت.. فأبكي دون دموع لأن جفاف السنوات تطاول حتى أرهق أجفاني، والليلة أعددت بقاياي، وجلست أتأبط حزني وأشارك يأسي قهوة منتصف الليل كي نفتح آخر باب الحوار مجهول اللغة، وخارج كل الكلمات، كي نبحث في اللاجدوى عن طقس خروج من شرنقة القهر ... كي نعقد صلحا آخر أو حلا سليما للزمن القادم... أتساءل هل يأتيني الغد بأحلام تزرع في غابات الروح سنابل فرح تمسح غبار البؤس عن عمري الآتي.. وتزلزل بسمة سرور كي تنمو مثل بنفسجة في أعماقي .. فلأني الليل ولي وحدي كل الحزن وكل ظلامه..
ألملم كل حطام الذات كي أصنع منه سفينة للتحدي ... فستخسر أقداري مني أو تنكر الأيام.. فلأني أتحداني... أخشى طوفان الحزن القادم أن يغرق قلبي في دوامة هذا القلق المتوحد مع كل الأشياء بذاكرتي ، وسأحمل في سفينتي صبراً آخر لا ينفذ أبدا... وبداية تكوين للتحدي كي أخرج للزمن الآتي بملامح ترنو للشمس وتسخر من هذا الليل المتشائم مني ومن محاولتي الأخيرة و للخروج من ثقب المعاناة..
فالفجر القادم لا يرفض أن يأتي لكن يرفض أن يطفأ من ريح الشك وأعاصير القلق وأسراب اليأس .. وبدأت أعد سفينة خوفي وأخبئ فيها سفر خروجي من وجعي وبقايا الأمل المتدثر بحدود الرؤيا ...فليأت الطوفان ويبلع هذا الكون ، فأنا أتحدى شاكلتي وسأبقى في مقعد صمتي وأمامي قهوتي الباردة وسيجارتي والليل يجردني مني ولكني لملت حطام الذات ، وصلبت الخط فأوجدني وسفينة عمري نتسلل الزمان آخر يعرفني...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق